كلاكيت أول مرة
أذكر فيما أذكر أن أول مظاهرة شاركت بها كنت في الصف الثالث ابتدائي، وكانت المظاهرة بتحرك من الحزب الشيوعي اللبناني، عندما كان حزبا، وأذكر بأن الراحل نقولا الشاوي كان على رأس تلك المظاهرة التي نظمت احتجاجا على حرب الجيش والمكتب الثاني على المخيمات الفلسطينية.

وأود بالمناسبة شكر الدركي اللبناني الذي عاجلني بلبطة أثاء تفريق المظاهرة … تلك اللبطة التي ساهمت في تبلور الوعي الفكري لدي وتبلور حقدي على كل ما يسمى سلطة.

***************
عندما اشتعلت الحرب على لبنان في العام 1976، كنت لما أزل ولدا، تماما … كما أنا الآن، حين شاهدت أول جثة قتيل في حياتي. كانت جثة كتائبي قتل على يد مجموعة مسلحة تطلق على نفسها اسم حركة 24 تشرين…

أذكر أن كل أولاد حارتنا، وأولاد الحارات المجاورة، بالاضافة إلى أولاد الحارات المحيطة، كانت تقفز وتنط وتحط لترى جثة شاب مقتول وكأني بهم قد وجدوا لعبة كانوا قد أضاعوها … مع العلم أن جميعنا كان يخاف من رؤية ميت بشكل طبيعي مسجى في نعش في كنيسة القرية…

وللأمانة لم أحزن على القتيل، إذ أن دماغي كان مغسولا منذ الولادة بأن حزب الكتائب والكتائبيين لا يحبون أحدا وسيقتلون كل من لا يؤيدهم… لكنني وللأمانة ذاتها، لم أحب انتهاك حرمة الموت.

************
أثناء تصفية حسابات الدول على أرض لبنان، والتي سميت زورا وبهتانا بالحرب الأهلية، لم تخرج مظاهرة احتجاج من مسجد أو من كنيسة، وكانت الأحزاب العلمانية والوطنية تقود المجتمع كما كانت تقود العمل الوطني، وكانت المؤسسات الدينية تسير وفق البرنامج الوطني والاجتماعي التي كانت تلك الاحزاب والقوى تعتمده.

كان الله ثوريا آنذاك، لم يكن مؤمنا مستجد أو طائفيا، وكان ذو وعي سياسي، إلى درجة أننا أحببناه في سرنا … دون أن نخبر أحدا من الرفاق.

ما الذي حصل كي يتغير الله …. ويتغير في موقفه؟

****************
عندما كانت الثورات تكاد تصبح ثورات بحق، اجتاحت “إسرائيل” لبنان. حاربت بيروت لمدة تسعين يوما .. واجهت بيروت، منفردة، وبسلاح خفيف، الجيش الذي لا يقهر …

بيروت كانت وحيدة …

وحيدة كانت بيروت لكنها لم ترفع الرايات البيضاء ..

كان العرب يبكون بيروت في المذياع … تماما كما يتباكون على سورية اليوم … الأمر الوحيد الذي اختلف أن بكاءهم اليوم يتم عبر الفايسبوك .. أي بكاء افتراضي.

بعد سقوط بيروت واستباحتها من قبل جيش العدو اليهودي، اكتشفنا أن المذياع نفسه يرقص في حالات السلم، وهو نفس المذياع الذي يتلو آيات القرآن في أوقات الحرب.

إلا أن مجموعة من الصبايا والشباب اليافعات واليافعين قرروا التمرد على مذياع الرقص … والتمرد على مذياع القرآن…… مجموعة صبايا وشباب بعمر الورد لا يتعدون أصابع اليد الواحدة سوى بقليل حملو السلاح وقالوا: “هذه بيروت يا رفاق، هذه بيروتنا، ست العواصم ”..

مجموعة صبابا وشباب لم يعرفوا يوما السؤال التاريخي العربي “ما هو دينك”؟ ولم يعترفوا يوما بهذا السؤال… مجموعة تنحني الشمس لجباههم، استطاعوا أن يجبروا المحتل اليهودي بعد أيام قليلة من احتلال عاصمة العواصم بأن يصرخ عبر مكبرات الصوت مترجيا باكيا: “يا أهالي بيروت لا تطلقوا النار نحن منسحبون”.

يا الله ما أجمله من نداء …

*********
عندما كانت الثورات تسمى ثورات، لم تكن عمليات تطهير الأرض من المحتل تتم برعاية الله وشركاه، كانت العمليات تنطلق بأيمان بأن أرضنا تتألم، وعندما تتألم أرضنا تصاب أرواحنا بالنزيف. …

عندما كانت الثورات ثورات بحق، قدمت بترومين أجمل ورودها وشبابها إكليلا وشالا من الدفئ والحب هدية للمقاومة الفلسطينية وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية … كانت ساحة بترومين تسمى الساحة الحمراء … ما الذي حصل كي تتحول إلى اللون الأزرق؟

آآآآخ يا بترومين… ويلعن روحك يا رفيق …

***********
يا أيها الثوار المستجدون .. يا أيها الفروخ … يا أيها الصيصان الحلوين …

غدا .. بعد ما يقارب الخمسين عام … عندما تنتهي ثوراتكم سوف تلتفتون حولكم ولن تجدوا ضحكات أطفال … لن تجدوا بناتا يلبسن الفساتين الزهرية اللون .. لن تجدوا بناتا يجدلن شعورهن ويربطنه بشرائط بيضاء… لن تجدوا أطفالا يلعبون عروس وعريس .. وبيت بيوت ..

… وستندمون..

أيها الثوار .. أيها اليسار .. أيها القوميون .. أيها المناضلون .. أيها الموسيقيون .. أيها الكتاب .. أيها الانتهازيون والمتسلقون … يا أيها التجار …

غدا .. عندما تنتهي ثوراتكم، وعندما تنتهي بلادكم، سوف تشهدون جيوشا شقراء بعيون زرقاء تهبط على نساءكم بالمظلات… ولسوف تصفقون لهم ترحيبا… ولسوف تغنون لهم:

بالأحضان .. بالأحضان .. بالأحضان …

بالأحضان يا محبلي نساءنا بالأحضان…

بالأحضان .. بالأحضان .. بالأحضان ..

بالأحضان .. يا ملوني عيون أطفالنا .. بالأحضان…

…….

نحن الذين كنا ذات يوم نغني:

بالأحضان .. بالأحضان .. بالأحضان

بالأحضان يا بلدنا يا حلوة بالأحضان..

غدا، عندما تنتهي ثورات كبتكم، وعندما تنتهي معها بلادكم .. ستكتشفون متأخرين أنكم تحيون وتعيشون وتتناسلون على هامش الكرة الأرضية…

سوف ترون أنفسكم تقفون في طوابير طويلة أمام حنفية ماء، تحملون في أيديكم غالونات بلاستيكية طمعا في قطرة ماء، ربما تستعملونها للتشطيف في الحمام، وربما للوضوء … وبالتأكيد سوف تشربون بعدها الماء المستعمل تطبيقا لمقولة “نعمة من الله”.

غدا، سوف تتعلمون الرومانسية حيث ستكتشفون لذة السهرة على ضوء الشمعة، لأنه حينها سوف يكون قد جف بترولكم كما جف نسلكم…

أيها الثوار .. أيها اليسار .. أيها القوميون .. أيها المناضلون .. أيها الموسيقيون .. أيها الكتاب .. أيها الانتهازيون والمتسلقون … يا أيها التجار …

غدا، عندما يمر سائح ياباني أو أمريكي أو ألماني في مدنكم المتصحرة، لن يكتب عن الذباب الذي يزين أطعمتكم، ولا عن تلال القمامة التي تزين مدنكم، ولا حتى عن الأوساخ تحت أظافركم … لكن سيكتب دعوات وينظم حملات إنسانية يدعو بها لأقامة محميات لكم من أجل الحفاظ على شعوب وقبائل تتعرض للانقراض…

أيها الثوار .. أيها اليسار .. أيها القوميون .. أيها المناضلون .. أيها الموسيقيون .. أيها الكتاب .. أيها الانتهازيون والمتسلقون … يا أيها التجار …

أنتم تحولون بلادكم وشعوبكم ونساءكم وأطفالكم إلى كرت معايدة …

فلا تتهللوا …

يا أيتها الثورات … ويا الثوار …

يا أوغاد آخر زمن …

يا حيوانات هائجة قادمة من عفن التاريخ …

كل ثوراتكم في هذا الوطن العرب لا تعنيني ..

إنها ثورات بلا هدف .. بلا عدو .. بلا قضية ..

ثورات تصيبني بالاسهال ووجع الأضراس …

يا أيها القادمون من عفن التاريخ …

هل وصلكم صراخ بلادنا؟ هل استمعتم لأخر صرخة للأرض؟

الأوطان تريد تغيير الشعب …

بالمختصر المفيد … إختكن على إخت هيك ثورات…

© 2017 كافة الحقوق محفوظة لمشروع قانون | williamnassar.com