الكتابة في مواجهة الموت
هل الكتابة حقا شكل من أشكال الموت؟
يطرح الكاتب إيلي نجم هذه القضية التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها لعبة مثاقفة، لكن إذا ما تابعنا عرضة التحليلي لجذور القضية نكتشف مدى عمق التحليل وجذوره. إذ تبدو الكتابة مرحلة متقدمة في تاريخ البشر، وقد اعتمدت، في حينه، بعد المشافهة لأسباب عديدة، منها التعويض عن قصور الذاكرة والحؤول دون تنوع القراءات.

وفي هذا السياق، تناظر ثنائيات الدال / المدلول، الطبيعة / الحضارة، المحسوس / المعقول، ثنائية المشافهة / الكتابة، التي لامس طرفها الأول الأشياء في بدئيتها وهي في طور الخواء، وهذا بالضبط ما يحيل الخواء إلى مصطلح الخاوس اليوناني، والذي يقابله الكوسموس اليوناني أيضا، ويعني النظام الذي أقامه العقل لاحتواء الخواء واستيعابه.

في هذا الصدد يقول الفيلسوف اليوناني آناكساغاروس (428 – 500 ق.م): “في البدء كان الخواء ثم حل العقل منظم كل شيء”. بمعنى آخر فإن اللوغوس حول الخاوس إلى كوسموس، واللوغوس هو القول والخطاب والعقل والحكمة، أي الناموس الأساسي الذي يحكم الكون ويحجب أصوله الأولى، أي الخواء، وما الكتابة سوى شق الحجب التي تغلف الواقع المغيب.

السؤال:
هل نفهم الكتابة بهذا العمق الذي يجعلها تعمل على تقويض الفضاءات المعرفية التي درجنا على الدوران فيها؟
وهل حقا الكتابة هي مواجهة الخواء، أم محاولة من الكاتب للتلطي خلف جدرانه، أي الخواء، والإحتماء منه؟

يصل إيلي نجم إلى استنتاج مفاده أن الكتابة هي مجاورة الخواء ومساكنته، بهدف تدجينه، لينتظم في مجازات تقابل الواقع لتعود وتعيدنا إليه. إلا أن الأمور لا تجري دائما على نحو ما نريد، فنقع في دائرة الموت الجاذبة.
الإستنتاج مخيف، بل ومرعب. فبدل أن تحيي الكتابة الكاتب، إذ بها تحيله إلى الموت .. المجازي.

لكن الدورة لا تنتهي عند هذا الحد، لأن ثمة استعانة هنا بالقاريء الذي يستحيل بطريقة أو بأخرى كاتبا استجد، ليعيد الحياة إلى حروف رقدت وكلمات ماتت، فيغدو القاريء كاتبا، بعد أن كان الكاتب قارئا أول لما خط قلمه.
هذه العلاقة بين الكاتب ونصه، وبين نص الكاتب والقاريء، تعيد للكتابة رونقها الجديد.

© 2017 كافة الحقوق محفوظة لمشروع قانون | williamnassar.com